هل تنطلق حملة لمقاطعة استهلاك البنزين في لبنان قريباً؟
تتكرّر في لبنان مشاهد الشوارع
المزدحمة بالمحتجّين كلّما داهم استحقاق معيشي أو صدر قرار حكومي يزيد الأعباء على
المواطنين. قطع الطرقات والتجمّعات الشعبية باتت وسيلة اعتراضية شبه تقليدية،
تعبّر عن غضب مشروع في ظل الانهيار الاقتصادي وتآكل القدرة الشرائية. فالاحتجاجحقّ دستوري، والناس حين تضيق بها السبل تلجأ إلى الشارع باعتباره المساحة المتاحة
للتعبير.
غير أن التجارب السابقة أظهرت أن
الشارع، رغم زخمه، لم يحقّق في معظم الأحيان نتائج ملموسة ومستدامة. بل إن بعض
التحركات تحوّلت إلى مادة تستخدمها السلطة لتبرير إجراءات أمنية مشددة تحت عناوين
حفظ النظام والسلم الأهلي، ما يجعل أثرها الفعلي محدودًا، بل وأحيانًا عكسيًا على
المطالب المعيشية نفسها.
في المقابل، يبرز نقاش حول جدوى البحث
عن وسائل ضغط بديلة أكثر تنظيمًا وأقل صدامية. ففي دول عدة، نجحت حملات مقاطعة
شعبية لسلع أو خدمات محددة في فرض تراجع بالأسعار أو تعديل قرارات حكومية. هذه
الأدوات قد تكون أكثر تأثيرًا اقتصاديًا إذا حظيت بالتزام واسع وتنسيق دقيق.
من هنا طُرحت فكرة مقاطعة استهلاك
البنزين بعد قرار زيادة 300 ألف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين لتمويل زيادات
القطاع العام. غير أن نجاح مثل هذه الخطوة يتطلب قدرة جماعية على الصبر والانضباط،
لأن أي تراجع في الالتزام يفرغ المقاطعة من مضمونها ويحوّلها إلى مبادرة عابرة.
المشكلة الأعمق تكمن في غياب نقابات
مستقلة وفاعلة تقود التحركات وتفاوض باسم الناس. فالنقابات، التي يفترض أن تكون
إطارًا منظمًا للدفاع عن الحقوق الاجتماعية، خضعت لاعتبارات سياسية وزعامات
تقليدية، ما أفقدها استقلاليتها ودورها التمثيلي الحقيقي.
وفي ظل هذا الفراغ التنظيمي، تصبح
التحركات الشعبية عرضة للتسييس والاستثمار من قِبل قوى تسعى إلى تحقيق أهداف
سياسية خاصة، ما يحوّل المطالب المعيشية إلى أوراق في لعبة الصراع الداخلي، بدل أن
تبقى في إطارها الاجتماعي والاقتصادي.
في المحصلة، لا تكمن الأزمة في وسيلة
الاحتجاج بحد ذاتها، بل في غياب بنية تمثيلية مستقلة قادرة على تحويل الغضب الشعبي
إلى قوة ضغط فعّالة ومنتجة. من دون إعادة بناء أدوات تنظيم حقيقية تعبّر عن مصالح
الناس، سيبقى الشارع يتحرّك في دائرة مفرغة، وتبقى الأزمات تتكرّر بلا حلول جذرية
تعليق