طوابع من جنوب لبنان صدرت تحمل صُوَرًا عن كفرحونة وجديدة مرجعيون
من المألوف في دول العالم أن تتحوّل الطوابع البريدية والمالية إلى ذاكرةٍ مصغّرة للوطن؛ مساحة صغيرة تختصر جغرافيا البلاد، تاريخها، وجوهها ومعالمها. هي ليست مجرد وسيلة لإتمام معاملة، بل وثيقة سيادية تعكس صورة الدولة إلى الداخل والخارج. ومن البديهي، في هذا السياق، أن يُذكر اسم الفنان أو المصوّر حين تُستخدم لوحته أو صورته، حفظًا للحقّ المعنوي وصونًا للأمانة الثقافية.
غير أنّ هذا المألوف انكسر في لبنان، حين أصدرت وزارة المالية اللبنانية مجموعة طوابع جميلة تحمل صورًا لبلدات جنوبية خلابة، من دون أن تذكر اسم صاحب العدسة التي التقطتها، أو أن تستأذنه في استخدامها. هذه الصور تعود إلى المصوّر الفوتوغرافي كامل صبحي جابر، ابن النبطية، الذي كرّس جزءًا كبيرًا من مشروعه الفني لتوثيق الجنوب اللبناني بطبيعته وناسه وعماراته التراثية.
من بين تلك الصور، مشهد بلدة كفرحونة
في قضاء جزين، حيث يتجاور مسجد وكنيسة في لوحة تختصر معنى العيش الواحد. التقط
جابر الصورة في يوم شتوي مثلج عام 2004، ونشرها لاحقًا في كتابه «جنوب لبنان عينٌ
وأثر»، قبل أن تصدر عام 2016 على طابع مالي من فئة 10,000 ليرة. الصورة لم تكن
مجرد لقطة جمالية، بل رسالة بصرية عن لبنان الذي يتّسع لجميع أبنائه
وفي ربيع 2002، التقط جابر صورة بيت
الحوراني في جديدة مرجعيون، منزل تراثي جنوبي السراي الحكومي، تحيط به أزهار
الدراق وتعلوه القرميدات الحمراء. نُشرت الصورة في كتاب «ذاكرة الجنوب عينٌ وأثر»،
ثم صدرت على طابع بريدي عام 2010، وعادت الدولة فأصدرتها عام 2016 على طابع مالي.
صورة واحدة تحوّلت إلى أيقونة تراثية، لكن اسم صاحبها بقي غائبًا عن الزاوية التي
يفترض أن تحفظ حقّه.
ليست المسألة هنا تفصيلاً تقنيًا أو
سهوًا عابرًا، بل قضية مبدأ تتعلّق بالحقوق الفكرية والأخلاقية. فالمصوّر لا يقدّم
مجرد صورة، بل رؤية وتعبًا ووقتًا وخبرة، وقدرة على التقاط اللحظة المناسبة في
الضوء المناسب. تجاهل اسمه لا يُسقط ملكيته القانونية فحسب، بل يُهمّش دوره
الثقافي في صناعة الذاكرة الوطنية.
اللافت أن هذه الصور كانت منشورة
سابقًا في كتب ومواد ثقافية عدّة، ما يجعل التعرّف إلى صاحبها أمرًا ممكنًا وغير
ملتبس. ومع ذلك، صدرت الطوابع بلا اسم ولا إذن، في سابقة تطرح أسئلة حول آليات
العمل، وحول احترام الدولة لحقوق مبدعيها. كيف نطالب العالم باحترام إنتاجنا
الثقافي، إن كنّا لا نحسن حمايته في بيتنا؟
يبقى أنّ الصورة، مهما غُيّب اسم صاحبها، تحمل بصمته. وكامل جابر، بعدسته التي وثّقت الجنوب من النبطية إلى مرجعيون، أسهم في حفظ ذاكرة مكان وزمن. قد تغيب الأسماء أحيانًا عن الطوابع، لكنّها لا تغيب عن التاريخ، ولا عن ضمير الثقافة. والعدالة، وإن تأخّرت، تبقى مطلبًا بديهيًا لكل مبدع يرى عمله يطوف العالم من دون أن يُذكر اسمه
تعليق